عالَمُ الأحلام - رزان الزيود

   "عالَمُ الأحلام" هكذا أصِفُ الفن بكلّ أشكالِه، هو طريقةٌ للاختفاءِ مِن الواقع، أو التظاهرِ على الأقلّ.

 

  للفن قدرة تجعلكَ مفتونًا، فتقنعك، تأسركَ، ترضيكَ، الأدبُ روحٌ تجسِّده خطوط الكلمات المتداخلة، الموسيقى نوتاتٌ مرسومة بدقة، منطوقة بالألحان، الرسم هو التراقصُ بالألوانِ تعبيراً عن الحزنِ تارةً، وعن الفرح تارةً أخرى.

   الأدبُ، والرسمُ، والموسيقى يُعبِّران عن وجود الإنسان، يلقيان به في دوامةِ الإحساسِ، وما الإحساس سوى شعور بالإنسانية.

   الأدبُ مثلاً لغةُ حوارٍ راقٍ، يجمعُ شخصياتٍ عدةً، نختارُ نحن منها تلك الشخصيةَ الأقربَ إلى قلوبِنا لتجسِّدَنا أو نجسّدها، فتبدو لنا أشبهَ بالحقيقة، معظمُ الأدباءِ أو القرّاء للأدب هم حالِمون منذُ الطفولة، وهم بعدَ مرحلةِ الطّفولة حالمون كبار، هؤلاء يُعيدون صياغةَ الحياةِ بما يناسِبُهم لتبدوَ أسهلَ للعيش، يعيشونَ بقصصٍ عدّة، ومعَ شخوصٍ مختلفين لترميمِ الحياةِ بطريقتهم، فيُجمِّلونَ الواقعَ بكلِّ ما أتاهم من خيال، يحاولون سبْرَ أغوارِ الحقيقة، وتنقيحَها لتبدوَ لهم أسهلَ وأجمل، هم أشخاصٌ حالمون بمحضِ الصّدفة، مميَّزون بمحضِ إرادتهم، ومدركون لتميُّزَهم وتفوُّقَهم على الحقيقة بأدائِها بشكلٍ أفضل، أو إضافة الزخارفِ لكي تصبحَ أسلوباً قصصيّاً ممتعاً، الأدباءُ أبطالُ أدبِهم، وأبطالُ حواراتِهم التي ينظمونها بشغفٍ لتبدوَ أكثرَ أناقة. الأديبُ يفتَحُ قلبَه لأوراقِه، يتحدّث إليها بلا وعي أو إدراك بتبعيّات كلماته.

 

    كلُّ شخصٍ منّا مميَّزٌ بأمرٍ ما، نحن لم نُخلَق بلا سبب، بل خُلق كلٌّ مِنّا ليُضيفَ للحياة شيئاً، حتى مَن يملكون المهنةَ ذاتَها يتميّزُ الواحدُ منهم عن الآخر،  لكلٍّ منا نظرتُه الخاصّة، ولكل منا فَهمُه المميَّزُ الذي يميِّزُه عن غيره.

 

   الأدباءُ يُؤمنون بالأبطال إيماناً يقينياً أنهم متواجدون على أرضِ الواقع، الأديبُ لا يستسلِمُ بسهولة، فمَن قام بكتابةِ عملٍ تجاوز المئةَ صفحة لن تضرَّه بضع سنينَ في البحث، ولن يحاولَ التخليَ عن فكرةِ إيجادِ بطلِ حكاياه على أرض الواقع، فتراه يبحث عن البطل، البطلُ الذي تجاوزَ تفكيره به حدّ الحديثِ معه طويلاً بلقاءاتٍ بلا ميعاد، يجالِسُه يحادِثُه، يحفظُهُ عن ظهر قلبٍ ثُم يُذيبه بينَ أوراقِه بلا رحمة، يُجبرُه على الحديث، يَفضح أسرارَه وخفاياه، ويترُكُه على الورقِ، ويعودُ إليه ليجدَه مهدوداً تعباً من مجرياتِ سرعة الأحداث.


   الأديبُ يكتُب الفنَّ لأنّه يؤمِنُ أن الفنَّ سيُبقيهِ حيّاً، في أذهان الناس، في مكتبات القرّاء. فبين ضجيج هذا العالم، وسرعة أحداثه، يكون هو قد ترك أثراً على السطح، ليصبح اسمه مغروساً على الجدران، كما الشعراء والرسامين والأبطال، هو عملاق في نظره، عملاق في إقصاءِ ذاته عن البشر، عملاق في تفانيهِ لأجل نظرية آمَن بها، عملاق بأساطيرَ صنعها من نسج خياله، بإيمانه أن الله أهداه هبةً ليخيط بها جمالاً..

 

Share on Facebook
Share on Twitter
Please reload

  • YouTube Social  Icon
  • snapcodes
  • Facebook Social Icon
  • Twitter Social Icon
  • Instagram_App_Large_May2016_200
This site was designed with the
.com
website builder. Create your website today.
Start Now